عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

105

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الصديق رضي اللّه عنه : العجز عن درك الإدراك إدراك . وقد نظمت هذا المعنى في قولي : يا صورة حيّر الألباب معناك * يا دهشة أذهل الأكوان منشاك يا غاية الغاية القصوى وآخر ما * يلقى الرشيد ضلالا بين مغناك عليك أنت كما أثنيت من كرم * نزهت في الحمد عن ثان وإشراك فليس يدرك منك المرء بغيته * حاشاك عن غاية في المجد حاشاك فبالقصور اعترافي فيك معرفتي * فالعجز عن درك الإدراك إدراكي وقد يطلق القوم الإنية على معقول العبد لأنها إشعار بالمشاهد الحاضر وعلى مشهود فالهوية غيبه ، فأطلقوا الهوية على الغيب ، وهو ذات الحق والإنية على الشهادة وهو معقول العبد ، وهنا نكتة فافهم . الباب الثامن والعشرون : في الأزل الأزل عبارة عن معقول القبلية المحكوم بها للّه تعالى من حيث ما يقتضيه في كماله ، لا من حيث إنه تقدم على الحادثات بزمان متطاول العهد ، فعبر عن ذلك بالأزل كما يسبق ذلك إلى فهم من ليس له معرفة باللّه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، وقد بينا بطلانه فيما سبق من هذا الكتاب ، فأزله موجود الآن كما كان موجودا قبل وجودنا ، لم يتغير عن أزليته ولم يزل أزليا في أبد الآباد ، وسيأتي بيان الأبد في الباب التالي إن شاء اللّه تعالى . هذا حكم الأزل في حق اللّه تعالى ، وأما الوجود الحادث فله أزل ، وهو عبارة عن الوقت الذي لم يكن للحادث فيه وجود ، فلكل حادث أزل مغاير لأزل غيره من الحادثات ، فأزل المعدن غير أزل النبات لأنه قبله إذ لا وجود للنبات إلا بعد وجود المعدن ، فأزلية النبات كانت في حال وجود المعدن لا أنه قبل المعدن وأزلية المعدن في حال وجود الجوهر ، وأزلية الجوهر في حال وجود الهيولي ، وأزلية الهيولي في حال وجود الهباء ، وأزلية الهباء في حال وجود الطبائع ، وأزلية الطبائع في حال وجود العناصر ، وأزلية العناصر في حال وجود العلبين كالقلم الأعلى والعقل والملك المسمى بالروح وأمثال ذلك ، وهم جميع العالم ، فأزلهم كلمة الحضرة ، وهو معنى قوله للشيء كُنْ فَيَكُونُ فأما الأزل المطلق ، فما يستحقه إلا اللّه لنفسه ، ليس لشيء من المخلوقات فيه وجود ، لا حكما ولا اعتبارا ؛ وقول القائل كنا في الأزل عند اللّه ، فاعلم إنما هو أزلية الخلق وإلا فهم